إخوان الصفاء
84
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الحقيقة بالقوة الناطقة . ولما تبيّن أن النفس أشرف جوهرا من الجسد ، صارت الرتبة التي ينالها الإنسان بنفسه أشرف وأعلى من التي ينالها بجسده ، لأن هذه جسمانية دنيوية ، وتلك روحانية أخروية . ولما قد تبين أن الوحي هو أشرف موهبة قد يجدها الإنسان في الدنيا ، أردنا أن نبيّن ما الوحي وكيف قبول النفس له فنقول : إن الوحي هو إنباء عن أمور غائبة عن الحواسّ ، يقدح في نفس الإنسان من غير قصد منه ولا تكلّف . وأما قبول النفس الوحي فعلى ثلاثة أوجه : منها ما يكون في المنام عند ترك النفس استعمال الحواس . ومنها ما يكون في اليقظة عند سكون الجوارح وهدوء الحواسّ . وهما نوعان : إما استماع صوت من غير رؤية شخص بإشارات دائما . وإما استماع كلام من غير رؤية شخص كما قال اللّه تعالى : « ما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلّا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه . » وسنوضح كيفية كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ونبدأ أولا بوصف قبول النفس الوحي في المنام كيف يكون ، إذ كان هو أعمّ وأكثر ، ثم نذكر الذي يكون في اليقظة إذ كان هو أخصّ وأقل ، فنقول : أولا ما النوم وما الرؤيا ؟ أما النوم فهو ترك النفس استعمال الحواسّ ، والرؤيا هي تصوّر النفس رسوم المحسوسات في ذاتها ، وتخيّلها الأمور الكائنة قبل كونها بقوّتها الفكرية في حال النوم وسكون الحواسّ . وسنوضح هذا في فصل آخر ، ولكن من أجل أن قوما من أهل الجدل ينكرون أمر النفس أنها جوهرة ، ويجحدون وجودها ، احتجنا أن نبيّن ما النفس وما حقيقة جوهرها ، وما الدليل على صحة وجودها ، فنقول : أولا إن النفس هي جوهرة روحانية حيّة علّامة فعّالة . فأمّا الدليل على صحة ما ذكرنا فهو أكثر من أن يحصى . وقد ذكرنا طرفا من ذلك في رسالة تركيب الجسد ، وطرفا في رسالة الحاسّ والمحسوس ، وطرفا في رسالة أن الإنسان عالم